إبراهيم بن علي الحصري القيرواني

1033

زهر الآداب وثمر الألباب

عاق ، وشقيق مشاقّ ، ودى رحم أصبح لها قاطعا ، [ ولأهله فاجعا ] ، وقريب قوم قد قلَّدهم عارا ، وناط بهم شنارا ، فلا لوم على ترك التعزية عنه ، وأحر بها أن تستحيل تهنئة بالراحة منه ؛ وربّ مال صامت غير ناطق ، قد كان صاحبه به مستظهرا ، وله مستثمرا ، فالفجيعة به إذا فقد موضوعة موضعها ، والتعزية عنه واقعة منه موقعها . وقد بلغني أن القاضي أصيب بثور كان له ، فجلس للعزاء عنه شاكيا ، وأجهش عليه باكيا ، والندم عليه والها « 1 » ، وحكيت عنه حكايات في التأبين له ، وإقامة النّدبة عليه ، وتعديد ما كان فيه من فضائل البقر التي تفرقت في غيره ، واجتمعت فيه وحده ؛ فصار كما قال أبو نواس ، في مثله من الناس : ليس على اللَّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد لأنه يكرب الأرض مغمورة « 2 » ، ويثيرها مزروعة ، ويرقص في الدواليب ساقيا وفى الأرحاء طاحنا ، ويحمل الغلَّات مستقلا ، والأثقال مستخفّا ؛ فلا يؤوده عظيم ، ولا يعجزه جسيم ، ولا يجرى في الحائط « 3 » مع شقيقه ، ولا في الطريق مع رفيقه ، إلا كان جلدا لا يسبق ، ومبرّرا لا يلحق ، وفائتا لا ينال شأوه وغايته ، ولا يبلغ مداه ونهايته . ويشهد اللَّه أنّ ما ساءه ساءنى ، وما آلمه آلمني ، ولم يجز عندي في حق ودّه استصغار خطب جلّ عنده ، فأرقه وأمضّه وأقلقه ، ولا تهوين صعب بلغ منه وأرمضه ، وشفّه وأمرضه ؛ فكتبت هذه الرقعة ، قاضيا بها من الحق في مصابه هذا بقدر ما أظهر من إكباره إياه ، وأبان من إعظامه له ؛ وأسأل اللَّه تعالى أن يخصّه من المعوضة بأفضل ما خص به البشر ، عن البقر ، وأن يفرد هذه البهيمة العجماء بأثرة من الثواب ، يضيفها إلى المكلَّفين من أهل

--> « 1 » في نسخة « ولها » بدون ألف ، وليست بشئ ، يقال : وله الرجل يله - مثل وعد يعد ، ووله يوله - مثل وجل يوجل - فهو ولهان ، وواله ، وآله ، والواله : الشديد الحزن ( م ) « 2 » يكرب الأرض : يثيرها للزرع ، وفى نسخة « معمورة » بالعين مهملة ( م ) « 3 » الحائط : البستان ( م ) ( 9 - زهر الآداب 4 )